الرحمن فاسأل به خبيرا


"قل إنما العلم عند الله"، باب عظيم فتحه الفتاح العليم، لرشف فهم قريب عهد بالكريم، فصدت الفلسفة بمنطقها السقيم وسدت أفق جمع عليم.



فيا وقاحة جولة متجاسر، طاف رواق الأسماء والصفات طواف خاسر، بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير.

فالدعوة إلى الله شأن العارفين به، وهي غير الدعوة إلى الإسلام – والتي هي شأن كل مسلم - ولا شأن لجاهل لم يسلك سبل معرفته، ولا ألـَمَّ بسننه القرآنية أو الكونية، ولا ولج دروب الآيات القرآنية، مستكشفا حِكَم الأسماء الربانية غوص خبير خاض دراسة موضوعية، ومقارنة، لما سيق من كلام الرب باختلاف أساليب الخطاب، وعلى لسان المخلوقين بشتى أنواع الوطاب، لكل الأسماء الربانية والصفات الرحمانية، فضلا عن إدراكه لأفعال الرب وتناغمها مع أفعال العباد جزاء وفاقا، أضف إلى ذلك ما يستحيل في حقه سبحانه، ليطلع من بعد بعيد بأن بحر الأسماء قاعه عميق، وخوض غماره مغامرة أهل التحقيق، ولا يركبون أمواجه إلا بإذن رباني وتوفيق.



{وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ[8] ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ [9]} [الحج : 8-9].



{وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ} [لقمان : 20].

ما تكرر ذكر المسالك إلا تنزيها للخلق من شر المهالك ؛ إذ بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير يضل المنطق أهله ضلال من أغضب الرب أو تاه عن السبيل.

ومصطلح " الجهل " حيث ما ورد في القرآن الكريم لا يراد به إلا الجهل بالله، وما جاء قط للدلالة على اصطلاحه المعاصر وهي خاصية "الذين لا يعلمون"، والمتدبر لآيات الجهل في القرآن الكريم -إن كان من المتقين الموقنين - ليستخلص دررا ونكتا علمية كبيرة في مبناها، دقيقة في معناها، جليلة في مضمونها.



" الرحمن فسئل به خبيرا " [سورة الفرقان . الآية : 59 ]



وقفة مع هذه الآية تنير السبيل :



الرحمن :

اسم من أسماء الله الحسنى عزوجل :

{ قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى} [ الإسراء : 110]

وهو اسم الرحمن خاص بالله جل جلاله لا يسمى به غيره. وهو يدل في مبناه على المبالغة في الرحمة. " والرحمة في بني آدم عند العرب رقة القلب وعطفه، ورحمة الله عطفه وإحسانه ورزقه ". ( لسان العرب ج 12/231).



يقول ابن القيم الجوزية رحمه الله،: " الرحمن الذي الرحمة وصفه،...ألا ترى أنهم يقولون: غضبان للممتلئ غضبا، وندمان،وحيران،وسكران، ولهفان، لمن ملئ بذلك، فبناء فعلان للسعة والشمول، ولهذا يقرن استواؤه على العرش بهذا الإسم كثيرا كقوله تعالى: { الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه : 5] وقوله {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً} [الفرقان : 59]"(مدارج السالكين ج1.ص33)



بعد الإشارة إلى الرحمن فما المراد بالخبير في هذه الآية، وخاصة أن الآية جاءت بعد قوله عز وجل :



{وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً [58] الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً[59]} الفرقان.



للوقوف على المعنى المقصود وجب تنزيه كلام الجليل عن الإطناب المذموم, ومن هنا ندرك الجناس اللفظي التام بين كلمة " خبيرا" الأولى والثانية كما في قوله تعالى :



{ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة} [ الروم : 55] فالساعة الأولى مراد بها يوم القيامة، والساعة الثانية مراد منها الساعة الزمنية.



فخبيرا الأولى تعود على الرحمن، والثانية تعود على غيره؛ لكن إن ساقتنا البلاغة إلى هذا الدرب أيرتضيه باقي مدلول الآية؟:



فاسأل : أمر بالسؤال تعدى بحرف الجر الشيء الذي يجعله لازما؛ لقول ابن مالك :



وعَدِّ لازما بحرف جر -:- وإن حذف فالنصب للمنجر




والشاهد عندنا: وعدِّ لازما بحرف جر سماه لازما لضعف الفعل الذي طلب المفعول ولم يصل إليه بنفسه، بل عدي بحرف جر.



وتعدى الفعل بالباء و لم يتعد " بعن " وللأمر نكتة، فالمفعول به صار اسما مجرورا، وخبيرا أصبحت حالا، والحال لا يليق بجلال الله إلا إذا أفاد الدوام والاستمرارية،كما في قوله تعالى : " وهو الحق مصدقا "؛ وليس الأمر هنا كذلك إذ الخبير هنا حال لمن يحول ويزول حاله وهو المسؤول؛ لكن ما شأن الباء " فاسأل به "



يقول البلاغيون : إنها الباء التجريدية : تدخل على المنتزع منه ". لئن سألت فلانا لتسألن به البحر، أي بالغ باتصافه بالسماحة وسعة العلم حتى انتزع منها بحرا فيها.



فالمراد بالباء "فاسأل به" من ينتزع عنه صفة الخبرة به جل وعلا، وهي صفة ومرتبة لا تتأتى لأي كان إلا لمن ثبتت معرفته وعبوديته لله تعالى، وخضوعه لجلاله.



ومن هذه الإشارات دلت الآية على أن هناك :

1. مأمور بالسؤال؛

2. ومسؤول عنه وهو الرحمن ؛

3. والمسؤول الخبير به جل وعلا.



ونستخلص ما يلي :



1- أن الفعل لما تعدى بحرف الجر عده النحويون لازما، ومن هنا سقط قول القائلين :بالمفعولية للفظة "خبيرا".



2- إن الباء الذي تعدى به الفعل كانت باء التجريد جردت صفة لله عز وجل وهي اسمه الخبير وانتزعت منها صفة لمخلوق، والقمر يستمد نوره من الشمس وشتان بين النورين.



3- أعربت لفظة خبيرا حالا، ودلت على أنها صفة من يزول حاله ويحول وهو المخلوق؛ لكن ليس أيا كان منهم إنما خصت من اتصف بصفة الخبرة في شأن الله عزوجل وأدب التعامل معه.



أما الخبرة بمعنى الإحاطة الكلية فميؤوس منها لقوله عز من قائل :{ولا يحيطون به علما} [ طه : 110]



ولا يغررك ما حصلت من نفحات، فالقرب من الرحيم يمددك بعطر الرياض وعليل النسيم، و"فوق كل ذي علم عليم"، فالزم الباب، والتزم الأدب، ففضل الله ليس عليه بواب... ]{أهم يقسمون رحمة ربك؟}[الزخرف 32]



ولا شأن للكرامات إن تحولت نفحاتها لفحات تشوي الوجه وتشين القسمات. والكلام عن الأسماء والصفات من شأن خبير غواص النظرات، ولم يكن يوما شأن كل آت ؟



فلكم هي كتب تاه أصحابها في متاهة ظلمة حسية أو معنوية لما ساخت أقدامهم في هذا المجال ودخلوا بحره وهم من هم في مجال تخصصهم؛ فردوا أسماء ثابتة، وأولوا صفات، وضربوا لله الأمثال...



وهم من حذروا من التأويل، والتشبيه، والتمثيل، والتعطيل، إلى آخر المزالق ومنعرجات المهالك.



وقانا الله بحفظه شر المزالق، وكفى به وكيلا، ونسأله الحفظ من كل سوء وهو السميع العليم، كما نلح عليه بأن يختصنا بلذة النظر إلى وجهه الكريم مع الرفعة والدرجات العلا، وربنا حكيم عليم، ومن كانت {يََدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ} وهو {الله الواسع العليم يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم} يكن بابه بحق محطة ذلة وبكاء، واستهتار بالدعاء والتضرع.